مـــاذا قالوا عن الجبــــــل ؟؟
موقع الجبل الأخضر السياحي
الجبل في عيون التاريخ
عرين المختارطبعيةوآثار

عرين المختار .. طبيعة وآثار

 

المناطق المكسوة بالغطاء النباتي في كل مكان .. تخضر في موسم الخضرة وتجف في مواسم الجفاف .. وربما يكون من القليل أن لم يكن من النادر – أن تجود الطبيعة على مساحة واسعة من الأرض فتكسوها بالخضرة طوال العام ولعل هذه الظاهرة النادرة هي التي ينفرد بها الجبل الأخضر .

حيث تتبادل نباتاته شبابه على مدار السنة إذ خلع نوع من الأشجار خضرته ، لبسها نوع آخر .. فإذا نفضت شجيرات القندول والبربش وروادها في آواخر الربيع رفعت أعواد الشماري والزهيرة على رؤوسها الأزهار المعطرة مطلع الصيف ،وإذا عجزت عجائز الأشجار عن حمل أوراقها في فصل الخريف اكتست خلفتها بلون فيروزي ظريف من البراعم الناشئة الصغيرة المائسة مع نسيم الأودية .

هذا هو الجبل الأخضر .. عرين الأسد المختار .. تحدى عوامل الطبيعة ، فأخضر وأزهر وأحمر حتى في سنوات الجفاف فتعانق على ثراهُ أغصان البلوط والخروب بظلالها الوارفة وأوراقها الطرية الناعمة وتزحف مع منخفضاته أشجار البطوم والبرسيم تختلط سمرة أوراقها بزرقة ثمارها وترسم هذه الألوان لوحة رائعة ، تتحرك لها المشاعر قبل الأبصار .. تجمع حناياه شجرة الزيتون المدللة ربيبة المزارع وابنة المدن مع أشجار الشعيرة والضحاب الشاردة أبداً في البراري ، فيشكل بذلك تألقاً جميلاً بين الريف بحيائه وفطرته وبين المدينة بتبرجها وكبريائها .

 

لم يكن جمال الجبل الأخضر من ذلك النوع المدلل الذي تلهيه مهرجانات الربيع ..وغدير الطيور عن راعية أهله ، وقد كان بهم حفياً وعليهم عطوفاً وكان لهم بيتاً مريحاً وزاداً طيباً ودرعاً واقياً ، اتخذوا من كهوفه سكناً يوم أن غزت ومن أعشابه وأشجاره طعاماً حين نضب الزاد ومن أحراشه واوديته مخائباً يوم أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .. ولكنهم لم ينسوا له ذلك فردوا له الجميــل حباً لا يبيد وتضحيته لا تفتر بجمـــاله وبذلوا دمائهم من أجله.

ويمتد هذا الجبل العريق مسافة ما ئتي كيلو متر من مدينتي المرج ودرنة ،وإن كانت مدينة البيضاء هي الواقعة بين البياضة ولملودة أكثف أشجاراً وأكثر تضارباً وارتفاعاً ، حيث منطقة ( سيدي محمد الحمري) أعلى المناطق ارتفاعاً في ليبيا تتخللها أوديةً سحيقة مثل وادي الكوف وتتناثر بها الكهوف المطمورة في الأرض أو المنحوتة على سفوح الجبال أو المعلقة فوق القمم ، ولازالت تحمل مخلفات وتضم بقايا حياة قديمة سمت ثم اندثرت وتنساب من بطون هذه الأودية ، عيون الماء العذب مثل عين الدبوسية وعين مارة وعين عروس وعين أم الصفصاف وعين أم رلس وغيرها ، تتغذى بمياهها المدن وتعج ضواحيها بالسياح  المستمتعين بمواسم الرحلات.

 

وإذا رجعت معي إلى الماضي قليلاً تقول كم حضارات بنت صروحها فوق أديم هذا الجبل سادت ثم بادت ، وكم من مستعمرين رفعوا صوت الباطل وفاتحين حملوا رايات الحق ، مرت ركبانهم مع فجاجة وشمخت بنيانهم فوق رباهُ وفي أحضانه ثم مروا مرور السحب وابتلعتهم الأحداث كأنهم لم يعنوا بالأمس وبقي هذا الجبل شامخاً قوياً يفتح ذراعيه لأهله تحميهم طبيعته بأشجارها وكهوفها من حر الصيف وبرد الشتاء وغائلة الجوع وعدوان المعتدين ، ولم يبق من تاريخ أولئك القدماء سوى بصمات خفيفة لا تكاد ترى متمثلة في أطلال قورينا وأبو لونيا أو روايات اختلطت فيها الحقيقة بالخيال تحفظها دفات الكتب أو تلوكها ألسنة الناس .

واليوم امتدت إلى هذا الجبل يد العمران فشقت به الطرق المرصوفة وأنشأت به المزارع الحديثة وتمايلت في جناباته  أشجار الفاكهة تبشر بالخير والرفاهية لهذا الشعب المجاهد العريق .

وهاهو يضاف إلى الجمال الطبيعي جمالاً صناعياً متمثلاً في الطرق والمباني الحديثة التي تحمل جمال الهندسة وفن العمارة ، ليبقى الجبل الأخضر .. عرين الآباء والأجداد ومنارة للجمال الطبيعي والصناعي وقبلة السياح وباحثي تاريخ القدماء .